بحث هذه المدونة الإلكترونية

Translate

الثلاثاء، 27 يونيو 2023

دلائل وجود الله



 

الكلم الطيب دلائل وجود الله 

دلائل وجود الله

الفطرة السليمة تشهد بوجود الله من غير دليل :

لم يطل القرآن في الاستدلال على وجود الله تعالى ، لأنّ القرآن يقرّر أنّ الفطر السليمة ، والنفوس التي لم تتقذر بأقذار الشرك ، تُقرّ بوجوده من غير دليل ، وليس كذلك فقط ، بل إنّ توحيده – سبحانه – أمر فطري بدهي ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) [ الروم : 30 ] .

هذه الفطرة هي التي تفسر الظاهرة التي لاحظها الباحثون في تاريخ الأديان ، وهي أنّ الأمم جميعاً – التي درسوا تاريخها – اتخذت معبودات تتجه إليها وتقدَّسها . (1)

وقد يقال هنا : لو كان التوجه إلى الله أمراً فطرياً لما عبد النّاس في مختلف العصور آلهة شتى .

والجواب : أنّ الفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكنّ الإنسان تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق .

فيما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء ، وما يلقيه الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة يبدّل هذه الفطرة ويقذرها ، ويلقي عليها غشاوة ، فلا تتجه إلى الحقيقة .

وقد نصّ الرسول صلى الله عليه وسلم على صدق هذا الذي قررناه ، ففي الصحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ) (2) . ولم يقل يُسلمانِه ، لأنّ الإسلام مُوافقٌ للفطرة .

وقد يقال : إذا تركنا الطفل من غير أن نُؤثّر في فطرته هل يخرج موحداً عارفاً بربّه ، فنقول : إذا ترك شياطين الإنس البشر ، ولم يدّنسوا فطرهم ، فإنّ شياطين الجنّ لن يتركوهم ، فقد أخذ الشيطان على نفسه العهد بإضلال بني آدم : ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين – إلا عبادك المخلصين ) [ ص : 82-83 ] .

وأعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب الإنسان ، كما في الحديث الصحيح ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً ) أو قال : ( شيئا ً ) . (3)

والقرآن وصف الشيطان المطلوب الاستعاذة منه بأنّه ( يوسوس في صدور الناس ) [ الناس : 5 ] ، وقد صح أيضاً أنّ لكل إنسان قريناً من الجنّ يأمره بالشرّ ، ويحثه عليه ، وفي القرآن ( قال قرينه ربَّنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيدٍ ) [ ق : 27 ] .

ولا يتخلص المرء من هذا إلا بالالتجاء إلى الله ( قل أعوذ برب الناس – ملك الناس – إله الناس – من شر الوسواس الخناس – الذي يوسوس في صدور الناس – من الجنة والناس ) [ الناس : 1-6 ] .

وشياطين الجنّ يقومون بدور كبير في إفساد الفطرة وتدنيسها ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم ، فكان مما جاء في خطبته : ( ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا : كلّ مال نحلته (4) عبادي حَلالٌ ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ) . (5)

المصائب تصفي جوهر الفطرة :

وكثيراً ما تنكشف الحجب عن الفطرة ، فتزول عنها الغشاوة التي رانت عليها عندما تصاب بمصاب أليم ، أو تقع في مأزق لا تجد فيه من البشر عوناً ، وتفقد أسباب النجاة ، فكم من ملحد عرف ربّه وآب إليه عندما أحيط به ، وكم من مشرك أخلص دينه لله لضرّ نزل به ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئنِ أنجيتنا من هذه لنكوننَّ من الشاكرين ) [ يونس : 22 ] .

وقد سمعنا كيف آب ركاب طائرة ما إلى ربّهم عندما أصاب طائرتهم خلل ، فأخذت تهتز وتميل ، وتتأرجح في الفضاء ، والطيار لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن الركاب ، هناك اختفى الإلحاد ، وضجّت الألسنة بالدّعاء ، ورغبت القلوب إلى ربها بصدق وإخلاص ، ولم يبق للشرك والإلحاد وجود في مثل هذا الموقف الرهيب .

المشركون الذين بُعث إليهم الرسول كانوا يقرّون بوجود الخالق :

العرب الذين جابههم الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا مقرّين بوجود الله ، وأنّه الخالق وحده للكون ، كما يقرّون بأنّه وحده الرزاق النافع الضّار ، ... ولكنهم كانوا يبعدون غيره معه ، ولا يخلصون دينهم لله وحده .

وفي معرض إلزام المشركين بالعبودية لله وحده ، وإخلاص الدّين له كان يسألهم عن الخالق المالك للسماء والأرض ، فكانوا يعترفون ، ولا ينكرون ، ( ولئِن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنَّ الله ) [ لقمان : 25 ] .

وفي سورة المؤمنون ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون – سيقولون لله قل أفلا تذكرون – قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم – سيقولون لله قل أفلا تتقون – قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون – سيقولون لله قل فأنَّى تسحرون ) [ المؤمنون : 84-89] . ومن المعروف أنّ العرب كانوا يُعظمون الكعبة ، ويحجون ، ولهم بقية من عبادات يتنسّكون بها .

كفر النّاس – اليوم أعظم :

إلا أن الانحراف اليوم وصل الدّرك الأسفل ، فأصبحنا نرى أقواماً يزعمون أن لا خالق ، ويجعلون هذه المقولة مذهباً يقيمون عليه حياتهم ، وقامت دول على هذا المذهب تعدّ بمئات الملايين من البشر .

وانتشرت هذه المقولة في كل مكان ، وألفت فيها كتب ، وأصبح لها فلسفة تدرس ، وحاول أصحابها أن يسموها بالمنهج العلمي ، ويدللوا عليها .

من أجل ذلك كان لا بّد أن نتوسع شيئاً ما في الاستدلال على هذه القضية .

=================================

يحتجّ القرآن على المكذّبين المنكرين بحجة لا بدّ للعقول من الإقرار بها ، ولا يجوز في منطق العقل السليم رفضها ، يقول تعالى : ( أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون – أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) [ الطور : 35-36 ] .

يقول لهم : أنتم موجودون هذه حقيقة لا تنكروها ، وكذلك السماوات والأرض موجودتان ، ولا شك .

وقد تقرر في العقول أنّ الموجود لا بدّ من سبب لوجوده ، وهذا يدركه راعي الإبل في الصحراء ، فيقول : " البعرة تدلّ على البعير ، والأثر يدلّ على المسير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ، ألا تدل على العليم الخبير " . ويدركه كبار العلماء الباحثين في الحياة والأحياء .

وهذا الذي أشارت إليه الآية هو الذي يعرف عند العلماء باسم : ( قانون السببية ) . هذا القانون يقول : إن شيئاً من ( الممكنات ) (( لا يحدث بنفسه من غير شيء )) ؛ لأنه لا يحمل في طبيعته السبب الكافي لوجوده ، (( ولا يستقل بإحداث شيء )) ؛ لأنّه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئاً لا يملكه هو .

ولنضرب مثالاً نوضح به هذا القانون :

منذ سنوات تكشفت الرّمال في صحراء الربع الخالي إثر عواصف هبت على المنطقة عن بقايا مدينة كانت مطموسة في الرمال ، فأخذ العلماء يبحثون عن محتوياتها ويحاولون أن يحققوا العصر الذي بنيت فيه ، ولم يتبادر إلى ذهن شخص واحد من علماء الآثار أو من غيرهم أن هذه المدينة وجدت بفعل العوامل الطبيعية من الرياح والأمطار والحرارة والبرودة لا بفعل الإنسان .

ولو قال بذلك واحد من الناس لعده الناس مخرّفاً يستحقّ الشفقة والرحمة ، فكيف لو قال شخص ما : إنّ هذه المدينة تكونت في الهواء من لا شيء في الأزمنة البعيدة ، ثم رست على الأرض ؟ إنّ هذا القول لا يقلّ غرابة عن سابقه ، بل يفوقه .

لماذا ؟ لأنّ العدم لا يوجد شيئاً هذا أمر مقرر في بدائه العقول ، ولأن الشيء لا يستطيع أن يوجد نفسه .

والمدينة على النحو الذي نعرفه لا بد لها من موجد ، والفعل يشي ، ويعرّف بصانعه ، فلا بدّ أن تكون المدينة صناعة قوم عقلاء يحسنون البناء والتنسيق .

ولو رأينا إنساناً انتقل من أسفل بناية إلى أعلاها فلا نستنكر ذلك ، ولا نستغربه ، لأنّ الإنسان لديه القدرة على ذلك .فإذا رأينا حجراً كان في ساحة البناية قد انتقل إلى أعلاها ، فإنّنا نجزم بأنّه لم ينتقل بنفسه ، بل لا بدّ من شخص رفعه ونقله ؛ لأنّ الحجر ليس لديه خاصية الحركة والصعود .

ومن الغريب أنّ الناس يجزمون بأنّ المدينة لا يمكن أن توجد من غير موجد ، ولا يمكن أن تبني نفسها ، ويجزمون بأنّه لا بدّ للحجر من شخص صعد به إلى أعلى ، ولكن يوجد فيهم من يجيز أن يصنع الكون من غير صانع ، ويوجد من غير موجد ، مع أنّ بناء الكون أشدّ تعقيداً وأعظم خلقة ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) [ غافر : 57 ] .

ولكنّ المنكرين عندما يواجهون بذلك بمنطق علمي يخاطب العقل ، لا يستطيعون إلا أن يقروا أو يكابروا .

وبهذا الدليل كان علماء الإسلام ولا يزالون يواجهون الجاحدين ، فهذا أحد العلماء يعرض له بعض الزنادقة المنكرين للخالق ، فيقول لهم : ما تقولون في رجل يقول لكم : رأيت سفينة مشحونة بالأحمال ، مملوءة من الأنفال ، قد احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة ، ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ، ليس لها ملاح يُجريها ، ولا متعهد يدفعها ، هل يجوز في العقل ؟ .

قالوا : هذا شيء لا يقبله العقل .

فقال ذلك العالم : يا سبحان الله ، إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر ، فكيف يجوز قيام هذه الدّنيا على اختلاف أحوالها ، وتغيّر أعمالها ، وسعة أطرافها ، وتباين أكنافها من غير صانع ولا حافظ ؟! فبكوا جميعاً ، وقالوا : صدقت وتابوا .

هذا القانون الذي سلمت به العقول وانقادت له هو الذي تشير إليه الآية الكريمة : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) [ الطور : 35 ] وهو دليل يُرغم العقلاء على التسليم بأنّ هناك خالقاً معبوداً ، إلا أن الآية صاغته صياغة بليغة مؤثرة ، فلا تكاد الآية تلامس السمع حتى تزلزل النفس وتهزها .

روى البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، فلما بلغ هذه الآية ( أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون – أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون – أم عندهم خزائِن ربك أم هم المصيطرون ) [ الطور : 35-37 ] كاد قلبي أن يطير " . (1)قال البيهقي (2) : قال أبو سليمان الخطابي : " إنما كان انزعاجه عند سماع هذه الآية لحسن تلقيه معنى الآية ، ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة ، فاستدركها بلطيف طبعه ، واستشف معناها بزكي فهمه ... " .

واختار الخطابي في معنى ( أم خلقوا من غير شيء ) [ الطور : 35 ] " فوجدوا بلا خالق ، وذلك ما لا يجوز أن يكون ، لأنّ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر ، فلا بدّ له من خالق ، فإذ قد أنكروا الإله الخالق ، ولم يجز أن يوجدوا بلا خالق خلقهم ، أفهم الخالقون لأنفسهم ؟ وذلك في الفساد أكثر ، وفي الباطل أشد ، لأنّ ما لا وجود له كيف يجوز أن يكون موصوفاً بالقدرة ، وكيف يخلق ؟ وكيف يتأتى منه الفعل ، وإذا بطل الوجهان معاً قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقاً ، فليؤمنوا به .

ثم قال : ( أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) [ الطور : 36 ] وذلك شيء لا يمكنهم أن يدّعوه بوجه ، فهم منقطعون والحجة قائمة عليهم " .

وهذا الذي قرر الخطابي أن الكفار لا يمكن أن يدعوه فائدة ذكره والسؤال عنه قطع الحجاج والخصام ؛ إذ قد يوجد جاحد مكابر يقول : " أنا خلقت نفسي " كما زعم مثيل له من قبل بأنه يحي ويميت ( ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتَاهُ الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أُحْيِي وأميت ) [ البقرة : 258 ] .فماذا كان الجواب ؟ سؤال آخر أبان عجزه وأكذبه في زعمه الأول ( قال إبراهيم فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) [ البقرة : 258 ] فكانت النتيجة : ( فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين ) [ البقرة : 258 ] .

وهنا هَبْ شخصاً قال : " أنا خلقت نفسي " فهل يستطيع أن يزعم أنّه خلق السماوات والأرض ؟! فإذا كان العدم لا يُوجِد سماء ولا أرضاً ، وإذا كانت السماء والأرض لم توجدا نفسيهما ، وإذا كان هؤلاء لا يستطيعون الادعاء بأنّهم أوجدوا ذلك كله ، فإنّه لا بدّ لهذا كله من موجد ، وهذا الموجد هو الله سبحانه وتعالى .

موقف العلوم التجريبية من هذا القانون :

إنّ طاقة البشر وطبيعة المخلوق ، أعجز من أن تحصي مراحل الأسباب مرحلة مرحلة ، وتتابع سلسلتها حلقة حلقة ، حتى تشهد بداية العالم ، ولذلك يئست العلوم التجريبية من معرفة أصول الأشياء ، وأعلنت عدولها عن هذه المحاولة ، وكان قصاراها أن تخطو خطوات معدودة إلى الوراء ، تاركة ما بعد ذلك إلى ساحة الغيب التي يستوي في الوقوف دونها العلماء والجهلاء .

لا بدّ للعقل من الاعتراف

ولكنّ هذا اليأس الإنساني من معرفة أطوار الكائنات تفصيلاً في ماضيها ومستقبلها ، يقابله يقين إجمالي ينطوي كلّ عقل على الاعتراف به طوعاً أو كرهاً ، وهو أنّه مهما طالت الأسباب الممكنة ، وسواء أفرضت متناهية أو غير متناهية ، فلا بدّ لتفسيرها وفهمها ومعقولية وجودها من إثبات شيء آخر يحمل في نفسه سبب وجوده وبقائه ، بحيث يكون هو الأول الحقيقي الذي ليس قبله شيء ، وإلا لبقيت كلّ هذه الممكنات في طيّ الكتمان ( إن لم يكن لها مبدأ ذو وجود مستقل ) .

====

يأخذنا القرآن في جولات وجولات نرتاد آفاق السماء ، ونجول في جنبات الأرض ، ويقف بنا عند زهرات الحقول ، ويصعد بنا إلى النجوم في مداراتها ، وهو في كلّ ذلك يفتح أبصارنا وبصائرنا ، فيرينا كيف تعمل قدرة الله وتقديره في المخلوقات ، ويكشف لنا أسرار الخلق والتكوين ، ويهدينا إلى الحكمة من الخلق والإيجاد والإنشاء ، ويبين عظيم النعم التي حبانا بها في ذوات أنفسنا وفي الكون من حولنا .

إنه حديث طويل في كتاب الله يطالعك في طوال سوره وقصارها ، وهو حديث مشوق تنصت إليه النفس ، ويلذه السمع ، ويستثير المشاعر والأحاسيس .

ولقد طالعت الكثير مما توصل إليه العلم والعلماء في شتى جوانب الحياة يبينون أسرار الخلق ، ودلالة الخلق على الخالق ، فما وجدت في شيء من ذلك كلّه ما وجدته في القرآن من جمال وصف ، ووفرة علم ، واستثارة مشاعر ، وحسن توجيه ، ودقة استنتاج ، وكيف لا يكون كذلك وهو تنزيل الحكيم الحميد !!

فعل الله في الكون :

تعال معي لنقوم بجولة مع الآيات القرآنية ؛ نرتاد هذا الكون ليرينا كيف تعمل قدرة الله في مختلف أرجاء الكون : في الحبّة تلقى في التربة فتنفلق ، وتضرب بجذورها في التربة ، فيخرج من الحبّة الجامدة حياة تتمثل في سوق ، وأوراق ، وأزهار تفوح بالشذى ، وثمار يتغذى بها الإنسان والحيوان . وفي الإصباح وهو ينبلج ... وفي سكون اليل ... ومسير الشمس والقمر .. ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنَّى تؤفكون – فالق الإصباح وجعل اليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) [ الأنعام : 95-96 ] .

وانظر إلى مشهد السحاب كيف يصنعه الله ، والبرد كيف يكوّنه ويصرفه ( ألم تر أن الله يُزجى سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله رُكاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبالٍ فيها من بردٍ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) [ النور : 43 ] .

ويحدثنا الله عن فعله في الظلّ : ( ألم تر إلى ربك كيف مدَّ الظل ولو شاء لجعله ساكناً ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً – ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً ) [ الفرقان : 45-46 ]

وانظر إلى تصريفه شؤون الحياة والأحياء والليل والنهار : ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذلُّ من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيٍ قديرٌ – تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) [ آل عمران : 26-27 ] .

لا يكتفي القرآن بأن يرينا قدرة الله وهي تعمل في الكون ، وعلمه يحيط بالمخلوقات ، وتصريفه للشؤون المختلفة ... ولكنّه – مع ذلك – يعرفنا بالغاية التي خلق الكون من أجلها .

خلق الله هذه الأرض من أجل الإنسان ( هو الذي خلق لكم مَّا في الأرض جميعاً ) [البقرة : 29] خلقها لنا على نحو يتوافق مع طبيعتنا وتكويننا ويحقق لنا الصلاح ، وهذا ما سماه القرآن بالتسخير .وهو لا يخبرنا بذلك مجرد إخبار ، وإنّما يوقفنا على هذا التسخير الذي جعله الله في الكون ، ( ألم تروا أنَّ الله سخَّر لكم ما في السَّماوات وما في الأرض ) [ لقمان : 20] فالنجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر : ( وهو الذَّي جعل لكم النُّجوم لتهتدوا بها في ظلمات البّرِ والبحرِ قد فصِّلنا الآيات لقومٍ يعلمون ) [ الأنعام : 97 ] .

والأرض والسماء ، وإنزال الماء من السماء ، والسفن السابحة في البحر ، والأنهار الجارية في جنبات الأرض ، والشمس والقمر ، وتعاقب الليل والنهار ... كلّ ذلك مخلوق لنا ولخيرنا ولصلاحنا ( الله الذي خلق السَّماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخِّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخَّر لكم الأنهار – وسخَّر لكم الشمس والقمر دائِبين وسخِّر لكم الليل والنَّهار – وَآتَاكُم من كلّ ما سألتموه ) [ إبراهيم : 32-34 ] . ===========

عرّفنا القرآن بأنّ الله خلق هذا الكون وسخّره لنا ، فجعله متوافقاً مع جبلتنا ، وقدّره تقديراً تصلح به حياة الإنسان ، والقرآن يتخذ من هذا الحديث والبيان سبيلاً ليشكر الإنسان ربّه ، إذ الإنسان مفطور على حب من أحسن إليه ( هل جزاء الإحسان إلاَّ الإحسان ) [ الرحمن : 60 ] .

ولذلك فقد أفاض القرآن في ذكر النعم التي حباها الله عباده في ذوات أنفسهم ( قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون ) [الملك : 23] ، وفي الكون من حولهم : ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون – والذي نزَّل من السماءِ ماء بقدرٍ فأنشرنا به بلدةً مَّيتاً كذلك تخرجون – والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون – لتستووا على ظهوره ثمَّ تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) [ الزخرف : 10-13 ] .

وخلق لنا الشمس والقمر على نحو يحقق النفع والصلاح ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدَّره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) [ يونس : 5 ] .

والأنعام من الجمال والأبقار والأغنام ، وكذلك الخيل والبغال والحمير خلقها لنا على نحو يفيدنا ويتناسب مع طبائعنا وتكويننا ( والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون – ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون – وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إنَّ ربَّكم لرءوفٌ رحيمٌ – والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون ) [ النحل : 5-8 ] .

والبحر مخلوق لنا أيضاً ، وفي خلقه على ما هو عليه ما يحقق لنا الشيء الكثير ( وهو الذَّي سخَّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلَّكم تشكرون ) [ النحل : 14] .

والنحل خلقه الله ليقوم بذلك العمل الرائع ، لينتج لنا ذلك الشراب المختلف الألوان ، ليتغذى به البشر ، ويكون لهم شفاء ( وأوحى ربُّك إلى النَّحل أن اتَّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشَّجر وممَّا يعرشون – ثمَّ كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للنَّاس إنَّ في ذلك لأيةً لقومٍ يتفكرون ) [النحل : 68-69] .

التعرف على الله من خلال آياته الكونية سبيلٌ حثَّ عليه القرآن :

حث القرآن عباد الله على النظر في آيات الله الكونية : الأرض ، والسماء ، وما فيهما وما بينهما ، وجعل النظر والتأمل في ذلك من الذكرى التي تنفع المؤمنين .

وقد أعجبني تسمية بعض المعاصرين لهذا المنهج ( بقانون السير والنظر ) لكثرة حث الآيات القرآنية على ذلك ، وقد يكون السير والنظر حسيّان ، فيسير المرء بقدميه ، وينتقل من بلد لآخر ، كما قد يكون النظر بالبصر ، وقد يكونان بالفكر والعقل .

وقد جاء الأمر في القرآن أمراً عاماً ( قل انظروا ماذا في السَّماوات والأرض ) [ يونس : 101] . وقد يأتي أمراً خاصاً ( فلينظر الإنسان ممَّ خلق ) [ الطارق : 5] ، ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) [ عبس : 24 ] .

=======

يتخذ القرآن من الآيات الكونية مادة يناقش بها المشركين ، ويقيم بها الحجة عليهم ( أولم ير الذين كفروا أنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كلَّ شيٍ حىٍ أفلا يؤمنون – وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلَّهم يهتدون – وجعلنا السَّماء سقفاً مَّحفوظاً وهم عن آياتها معرضون – وهو الذي خلق الليل والنَّهار والشَّمس والقمر كلٌ في فلكٍ يسبحون ) [ الأنبياء : 30-32 ] .

ويبين لهم فساد معتقداتهم في معبوداتهم ، فهي لا تملك صفات الربوبية والألوهية التي تستحق أن تعبد بها ، وتتخذ آلهة من دون الله : ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آللَّهُ خير أمَّا يشركون – أمَّن خلق السَّماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائِق ذات بهجةٍ مَّا كان لكم أن تنبتوا شجرها أَإِلَهٌ مع الله بل هم قومٌ يعدلون – أمَّن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أَإِلَهٌ مع الله بل أكثرهم لا يعلمون – أمَّن يجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف السُّوء ويجعلكم خلفاء الأرض أَإِلَهٌ مع الله قليلاً ما تذكَّرون – أمَّن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أَإِلَهٌ مع الله تعالى الله عمَّا يشركون – أمَّن يَبْدَأُ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السَّماء والأرض أَإِلَهٌ مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) [ النمل : 59-64 ] .

إنّ الآيات تبين عدم صلاحية الآلهة المدعاة للعبادة ، فالله وحده الخالق للسماء والأرض ، المنزل للماء من السماء ، والمنبت به الحدائق التي تسرّ النفس ، وتبهج النظر ، وهو الذي جعل الأرض قراراً وسيّر خلالها الأنهار ، وثبتها بالجبال ... ، فهو المعبود الحق ، وغيره لم يفعل شيئاً ، فلا يستحق أن يعبد من دون الله .

وعلينا أن نستخدم هذا النوع من الاستدلال في مواجهة الكفرة والملحدين ، فقد استخدمه الرسل من قبل ، وأكثروا من الاحتجاج به ، فهذا إبراهيم خليل الرحمن يناقش الملحد ، ويقيم عليه الحجة بهذا النوع من الاستدلال بحيث يخرس لسانه ويدهش فكره( ألم تر إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه أن آتَاهُ الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يُحيي ويميت قال أنا أُحْيِي وأُميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشَّمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظَّالمين ) [ البقرة : 258 ] .

وهذا موسى كليم الله يستخدم الاستدلال نفسه في مواجهة طاغية عصره فرعون ، ولا يزال يأتيه بالدليل في إثر الدليل حتى يعجزه ، فيلجأ إلى التهديد والوعيد : ( قال فرعون وما ربُّ العالمين – قال ربُّ السَّماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين – قال لمن حوله ألا تستمعون – قال ربكم وربُّ آبَائِكُمُ الأوَّلين – قال إنَّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنونٌ – قال ربُّ المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون – قال لئِن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنَّك من المسجونين ) [ الشعراء : 23-29 ] .

بل إن هذا النوع من الاستدلال طريقة جميع الرسل ، ارجع إلى سورة إبراهيم (آية 9 ، 10 ) واقرأ ما قالته الأقوام المكذبة قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، ثم إجابة الرسل حيث قالوا : ( أفي الله شكٌ فاطر السَّماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم ) [إبراهيم : 10] .فاستدلوا على صدق دعوتهم بأن الله – سبحانه – فاطر السَّماوات والأرض أي موجدهما وخالقهما .

الكفر مُستَنكَر مستعجب مع وضوح الأدلة :

ولذلك يسأل القرآن سؤالاً يشي بالعجب من كفر الكافرين مع وضوح الأدلة والبراهين ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمَّ يميتكم ثمَّ يحييكم ثُمَّ إليه ترجعون ) [ البقرة : 28 ] .

ويسأل في آية أخرى ( يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم – الذي خلقك فسوَّاك فعدلك – في أي صورة ما شاء ركَّبك ) [ الانفطار : 6-8 ] .

إن مقتضى نظر الإنسان في نفسه وفي الكون من حوله يوجب عليه التوجه إلى خالقه وتعظيمه ، ولذلك كان غريباً كفر الكافرين وجحد الجاحدين ( مَّا لكم لا ترجون لله وقاراً – وقد خلقكم أطواراً – ألم تروا كيف خلق الله سبع سمواتٍ طباقاً – وجعل القمر فيهنَّ نوراً وجعل الشَّمس سراجاً – والله أنبتكم من الأرض نباتاً – ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً ) [ نوح : 13-18 ] .

====

وهو حكيم : فالنظر في هذا الكون يشي بأنّه محكم متقن قد وضع كلّ شيء منه في موضعه المناسب ، وخُلق بالمقدار المناسب ، في غاية الجودة والإتقان ( وترى الجبال تحسبها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السَّحاب صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ ) [ النمل : 88 ] ، ( الذي أحسن كلَّ شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طينٍ ) [ السجدة : 7 ] .ولذلك فإن الناظر المتبصر في خلق الله لا يرى إلا الكمال والإتقان ، ولو بحث عن عيب في الخلق لأعجزه ( الذي خلق سبع سماواتٍ طباقاً مَّا ترى في خلق الرحمن من تفاوتٍ فارجع البصر هل ترى من فطورٍ – ثم ارجع البصر كرَّتين ينقلب إليك البصر خاسِئاً وهو حسيرٌ ) [ الملك : 3-4 ] .

صفات أُخرى : ما ذكرناه من دلالة الخلق على بعض صفات خالقه أردنا به التمثيل ، لا الحصر والاستقصاء ، وهو تمثيل يفتح الباب للاستدلال والبحث ، وإلا ففي الكون الكثير من الآيات الدالة على عظمة الله وعزته ولطفه ، واستمع إلى الصفات الإلهية التي ذكرها الله في ختام كلّ آية من الآيات التالية ( ألم تر أنَّ الله أنزل من السَّماء ماءً فتصبح الأرض مخضرَّةً إنَّ الله لطيف خبيرٌ – له ما في السَّماوات وما في الأرض وإنَّ الله لهو الغنيُّ الحميد – ألم تر أنَّ الله سخَّر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السَّماء أن تقع على الأرض إلاَّ بإذنه إنَّ الله بالنَّاس لَرَؤُوفٌ رحيمٌ ) [ الحج : 63-65 ].

إذا نظرنا إلى آلة دقيقة الصنع ، بديعة التكوين ، غاية في القوة والمتانة ، تقوم بعملها على خير وجه ، فلا بدّ أن ندرك بلا كثير تفكير أن صانعها يتصف بصفة الحياة والعلم ولديه قدرة وإرادة ... إلى آخر تلك الصفات التي تنبئنا عنها الآلة .وهذا الكون يشي ويعرّف بكثير من صفات الخالق ، فمن ذلك :

قدرته وعلمه : هذا الكون الهائل الضخم الشاسع الواسع السائر وفق نظام دقيق لا بدّ أن يكون صانعه قديراً عليماً ، والله خلق الخلق بهذا التكوين الهائل وهذا النظام الكامل ليعرفنا بقدرته وعلمه ( الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنَّ يتنزَّلُ الأمر بينهنَّ لتعلموا أنَّ الله على كل شيءٍ قديرٌ وأنَّ الله قد أحاط بكل شيءٍ علما ) [الطلاق :12] .ولا بد أن يكون العلم الذي يحكم هذا الكون شاملاً كاملاً ( ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلاَّ في كتابٍ مبينٍ ) [ الأنعام : 59 ] .

============

ويقرر الدكتور يوسف : " وجود صفة مهمة تشترك فيها جميع الكائنات الحية من أدناها إلى أرقاها ، هذه الصفة هي مقاومة عوامل الفناء ، إذ إنّ خالق جميع هذه الكائنات يريد لها البقاء .

إنَّ ( فيروس الأنفلونزا ) يتشكل من آنٍ لآخر بأشكال مختلفة ؛ لتصعب مقاومته والقضاء عليه ، والحشرات مع توالي الأجيال تكتسب مناعة ضدّ المبيدات الكيميائية ؛ لكي تقاوم عوامل الفناء وانقراض الجنس .

بل في الإنسان نفسه لوحظ كثرة الإنجاب في فترات الحروب ، كما لوحظ أنّ أية سيدة تواظب على تناول حبوب منع الحمل مدة طويلة ثم تسهو عن تناولها بعض الأيام – فإنّ النتيجة في معظم الأحيان تكون إنجاب عدة توائم ؛ لتعويض النقص في الذرية الذي حدث في أثناء فترة الامتناع عن الحمل . وإذا استأصل الإنسان إحدى الكليتين لسبب من الأسباب فإنّ الكلية الباقية يزداد حجمها وتؤدي عمل الكليتين ؛ وكأن في الجسم عقلاً يدرك به ما حدث من نقص فيسرع لتعويضه .

الله وحده هو الذي زود هذه المخلوقات بهذه القدرة العجيبة على التوازن حتى لا تنقرض وتتعرض للفناء ، كما زود العديد من الحيوانات بوسائل للدفاع عن أنفسها لا يختلف في ذلك الإنسان عن العقرب أو الثعبان أو أم أربعة وأربعين أو غيرها .لا يمكن أن يكون هذا المبدأ أو القانون الذي يسود جميع الكائنات الحية من صنع مصادفة عمياء تتخبط في الظلام ، إذ إنّ المصادفة لا يمكن أن تتخذ مظهر قانون عام تخضع له جميع الكائنات "

======

وكان العلماء ولا يزالون يبينون عجائب صنع الله في خلقه ، ويعظون أنفسهم بذلك ، كما يعظون غيرهم ، وسننقل طرفاً مما توصل إليه العلماء في هذا المجال في القديم والحديث .

وأحب أن يضع القارئ نصب عينيه وهو يقرأ هذه المقتطفات قول موسى لفرعون : ( قال ربُّنا الذي أعطى كلَّ شيءٍ خلقه ُثمَّ هدى ) [ طه : 50 ] . فالله أعطى كل شيء خلقه الذي يناسبه ، وهداه لما فيه صلاحه .. ، وسنرى نماذج من هذا الإعطاء وتلك الهداية .

1- تكون الأجسام من الخلايا وانقسامها

أ- مم تتكون أجسام الأحياء وكيف ؟

يقول باحث معاصر هو الدكتور يوسف عز الدين مجلياً هذا الموضوع : " معظم الحيوانات والنباتات تتكون من عدد هائل من تلك الوحدات الدقيقة الحجم التي نسميها (الخلايا) ، كما يتكون المبنى من مجموعة من الأحجار المرصوصة " .

ب- لماذا تنقسم الخلايا دائماً ؟

ويتابع الدكتور يوسف عز الدين كلامه مبيناً السر في انقسام الخلايا فيقول : " وخلايا أجسامنا وأجسام غيرنا من الحيوانات دائمة الانقسام ، وذلك الانقسام قد يكون لنمو الجسم ، أو لتعويض ما يفقد أو يموت من الخلايا لأسباب عديدة . وكلّ خلية من هذه الخلايا تتكون أساساً من مادة عجيبة نطلق عليها اسم(( البروتوبلازم )) .وتوجد بداخل كل خلية محتويات عديدة ذات وظائف محددة ، ومن هذه المحتويات أجسام دقيقة تحمل عوامل وراثية هي التي نطلق عليها اسم ((الكروموسومات)) .

وعدد هذه ((الكروموسومات)) ثابت في خلايا كلّ نوع من أنواع الحيوانات والنباتات المختلفة ، فعددها في خلايا القط – مثلاً – يختلف عن عددها في خلايا الكلب أو الفيل أو نبات الجزر أو الفول .

وفي كل خليّة من الخلايا التي يتكون منها جسم الإنسان يوجد ستة وأربعون من هذه (الكروموسومات) .

وعندما تنقسم الخلية إلى خليتين داخل أجسامنا فإنّ كلّ خلية جديدة لا بدّ أن تحتوي على العدد نفسه من (الكروموسومات) ، وهي ستة وأربعون ، إذ لو اختل هذا العدد لما أصبح الإنسان إنساناً . والخلايا كما ذكرت دائمة الانقسام ، يحدث هذا في جميع ساعات اليوم حتى في أثناء نومنا ، ونحن حتى الآن لا ندرك حقيقة القوى المهيمنة على هذه العملية المذهلة : عملية انقسام الخلايا ، بل يكتفي العلم بوصف الخطوات العملية التي يمكن ملاحظتها تحت عدسات (الميكروسكوب) العادي أو عن طريق (الميكروسكوب الإلكتروني) الذي يكبر الأشياء تكبيراً أكثر بكثير من تكبير الميكروسكوب العادي " .

جـ - لماذا تختلف الخلايا التناسلية عن غيرها ؟

وذكر الدكتور يوسف : " أن جميع الخلايا الناتجة عن عمليات الانقسام في جسم الإنسان لا بدّ أن تحتوي على ستة وأربعين (كروموسوماً) فيما عدا نوعين من الخلايا ، هما الخلايا التناسلية ، أي الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في الأنثى ، وعندما تنقسم خلايا الأنسجة لتكوين هذه الخلايا التناسلية فإنها تنتج خلايا لا تحتوي على الستة والأربعين (كروموسوماً) ، بل تحتوي على نصف هذا العدد ، أي يصبح في كل خلية تناسلية ذكرية أو أنثوية ثلاثة وعشرون (كروموسوماً) فقط " .

ثم بين لماذا يحدث ذلك ، فقال : " يحدث هذا لحكمة بالغة ولهدف عظيم ، إذ إنّ الخلية الذكرية (الحيوان المنوي) لا بدّ أن تندمج مع الخلية الأنثوية (البويضة) لتكوين أول خلية في جسم الجنين ، وهي التي نطلق عليها اسم (الخلية الملقحة) ، حيث ينضم الثلاثة والعشرون (كروموسوماً) التي في الخلية الذكرية إلى الثلاثة والعشرين (كروموسوماً) التي في الخلية الأنثوية لكي يعود عدد (الكروموسومات) في الخلية الجديدة إلى العدد الأصلي ، وهو ستة وأربعون (كروموسوماً) .

وهذه الخلية الملقحة التي أصبحت تحتوي على ستة وأربعين (كروموسوماً) توالي انقسامها ، فتصبح خليتين ، ثم أربع خلايا ، ثم ثماني خلايا وهكذا ، حتى يتم تكوين الجنين الذي يخرج من رحم أمه ، ويستمر نموه عن طريق انقسام الخلايا حتى يصبح إنساناً كامل النمو في كلّ خلية من خلاياه ستة وأربعون (كروموسوماً) كما هو الحال في خلايا جسد أبيه وأمه وأجداده وجميع أفراد الجنس البشري " .

" إنَّ اختزال عدد (الكروموسومات) إلى النصف عند تكوين الخلايا التناسلية بالذات لكي تندمج فيعود العدد الأصلي (للكروموسومات) في الخلايا لا يمكن مطلقاً أن يكون نتيجة مصادفة عمياء ، بل لا بدّ أن يكون نتيجة تقدير دقيق من قوة عليا تعلم ماذا تفعل .وهي في الوقت نفسه لا يمكن أن تخضع للتجربة واحتمال الخطأ ، إذ لو حدث خطأ مرة واحدة عند بدء الخلق لقضي على الكائن الحي قبل تكوين الجيل الثاني . أي أنّ هذا الترتيب لا بد أن يكون قد تم منذ تكوين أول جنين ظهر في الوجود ، ألا يكفي هذا وحده دليلاً على وجود قوة عليا مدبرة مقدرة حكيمة ؟

د- لماذا لا تنقسم خلايا المخ ؟

أما النوع الآخر من الخلايا التي تخالف بقية خلايا الجسم فهي خلايا الدماغ ، وهي تخالف بقية الخلايا في كونها لا تنقسم ، وعن السر في عدم انقسامها يقول الدكتور يوسف عز الدين :" لا يمكن أن يكون عن طريق التجربة واحتمال الخطأ والصواب أن الخلايا الوحيدة التي لا تنقسم هي الخلايا العصبية التي يتكون منها المخ وباقي الجهاز العصبي ، لو انقسمت كما يحدث لباقي الخلايا لحدثت كارثة مروعة ، إنّ خلايا المخ في هذه الحالة لن يمكنها الاحتفاظ بشخصية الإنسان ، وسوف تتلاشى جميع معالم الذاكرة في خلال ساعات قلائل .إنَّ عدد خلايا المخ عند ولادة الإنسان أو أي حيوان آخر لا تزيد عليها خلية واحدة حتى وفاته ، بينما نجد أنّ الكرات الدموية الحمراء التي تسبح في الدم ، ما هي إلا خلايا تموت ، ويحلّ محلها خلايا جديدة كلّ نحو مائة يوم . وتتكون الخلايا الحمراء (الكرات الحمراء) في نخاع العظام ، ثم تنطلق لكي تسبح في تيار الدم ؛ لتحل محل الخلايا التي استهلكت " .

هـ- السر في تفاوت قوة عضلات الجسم :

ويتحدث الدكتور عن هذا الموضوع فيقول : " أقوى عضلات في جسم الإنسان أو الحيوانات الثديية هي عضلات الرحم عند الأنثى ، تلك هي التي تدفع الجنين ليخرج من بطن أمه ، إذ لو لم تكن هذه العضلات بهذه القوة منذ بدء خلق الإنسان أو غيره من الحيوانات لما خرج إلى الوجود أول جنين من بطن أمه .

وتلي عضلات الرحم في القوة عضلات القلب والفكين ، فعضلات القلب لا بد أن تكون قوية لتصمد للعمل ليلاً ونهاراً لدفع الدم إلى الأوعية الدموية لمدة قد تطول لأكثر من مائة عام ، وكذلك الحال في عضلات الفكين التي ينبغي أن تظلّ قادرة على دفع الأسنان لينطبق بعضها على بعض لكي تمضغ أطناناً من الطعام طوال حياة الإنسان " . 

والعظام في أجسامنا وأجسام عديد من الحيوانات نحركها عند المفاصل ، فتنقبض عضلات معينة وتنبسط عضلات أخرى في الوقت نفسه في توافق عجيب ، فتتحرك اليد أو الساق أو الإصبع وغيرها في الاتجاه الذي يرغب فيه الإنسان أو الحيوان ، وتركيب المفاصل مصمم بشكل يسمح بالانزلاق ، فلا يشعر الحيوان بأي احتكاك .

كما أن تصميم الفقرات في العمود الفقري من شأنه تحمل الضغط ، وتجنب الاحتكاك ، وترابط الفقرات مع بعضها ، فهو مصمم تصميماً مذهلاً ، ويحيط العمود الفقري بالحبل العصبي لحمايته ، كما تحمي الجمجمة المخ الذي بداخلها ، وتنفذ الأعصاب من الحبل العصبي من خلال ثقوب بالفقرات ، وجميع هذه التصميمات لا بدّ أن تكون قد تكونت في وقت واحد ، إذ لو اختل جانب منها لأصبحت حركة الحيوان غير ممكنة ، فهل من المعقول أن تحدث كل هذه الترتيبات في وقت واحد نتيجة مصادفة ؟ 

ومن المعروف أنّه إذا حدث جرح في أجسامنا فإنّ الدم الذي يخرج من الأوعية الدموية المجروحة لا يلبث أن يتجلط عند مكان الجرح ، وهذا تصميم مقصود له حكمته إذ إنّ الدم المتجمد يقفل الوعاء الدموي المجروح ، فيوقف بذلك استمرار تدفق الدم من الجرح ، ولو لم يحدث هذا التجلط لظلّ الدّم ينزف حتى الموت .

وممّا يدل على أنّ هذا التدبير مقصود من الخالق لحفظ الكائن الحي أنّنا نجده يحدث بطرق متباينة في الحيوانات المختلفة ، ولكنّ النتيجة في جميع الحالات واحدة ، ففي معظم الحشرات إذا جرح جسم حشرة كالصرصار مثلاً ، فإنّ عدداً من الخلايا يتجمع ، ويكون سدادة تقفل الجرح حتى لا ينزف الدم ، بينما نجد أنّ الدم يتجلط في بعض الحشرات كما يتجلط دمنا .

والوصول إلى هدف معين بطرق مختلفة .. كما سبق أن ذكرت ... دليل قاطع على وجود خالق يدبر ويقدر بشتى الطرق للتوصل إلى نتيجة معينة يكون من شأنها حفظ الكائن الحي .

==============

لهداية التي يجلبها النظر والتفكر في الآيات الكونية توجه إلى عبادة الله وحده ، فالله وحده هو الخالق المدبر المقيم للسماوات والأرض الرازق المحيي المميت ... ؛ لذلك فهو المستحق للعبادة دون سواه :

( يا أيَّها النَّاس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلَّكم تتَّقون – الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسَّماء بناءً وأنزل من السَّماء ماءً فأخرج به من الثَّمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ) [ البقرة : 21-22] .

( يا أيَّها النَّاس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السَّماء والأرض لا إله إلاَّ هو فأنَّى تؤفكون ) [ فاطر: 3 ] .

وبهذا الطريق – كما سبق – أثبت القرآن بطلان الآلهة المدعاة وعدم استحقاقها شيئاً من العبادة ( خلق السَّماوات بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبثَّ فيها من كل دابةٍ وأنزلنا من السَّماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ كريم ٍ – هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظَّالمون في ضلالٍ مبينٍ ) [ لقمان : 10-11 ] .

ولذلك فإنّه يذكّر خلقه بالآيات الكونية وتصريفه الأمور وتدبيره الشؤون ثم يعقب على ذلك في كثير من آي القرآن بقوله : ( ذلكم الله ربُّكم ) [ الزمر : 6 ] أي ذلكم الإله الذي يستحق العبادة دون سواه .

استمع إلى هذه الآيات وتأمل التعقيب عليها : ( خلق السَّماوات والأرض بالحقَّ يكور الليل على النَّهار ويكور النَّهار على الليل وسخَّر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمى ألا هو العزيز الغفَّار – خلقكم من نفسٍ واحدةٍ ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواجٍ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلقٍ في ظُلماتٍ ثلاثٍ ذلكم الله ربُّكم له الملك لا إله إلا هو فأنَّى تُصرفون ) [ الزمر : 5-6 ] .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

سرطان الشرج والزائدة الدودية وأورام الدماغ

  سرطان الشرج  من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة سرطان الشرج       رسم بياني يوضح سرطان الشرج في مراحله الأولى الاختصاص علم الأورام ...